أحمد بن محمد المقري التلمساني
341
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فقال : لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكفّه ؟ فقلت : إذن كان يلحقني من النقد ما لحق ذا الرمة في قوله : [ الطويل ] ولا زال منهلّا بجرعائك القطر « 1 » وكان طوفان نوح أهون عليهم من ذلك ، فتألّقت غرّته ، وبدت مسرّته ، وقال : إنّا للّه على أن لم يعنّا الزمان على مكافأة مثلك . قال : وكنت ممّن زاره بسجنه بأغمات ، وحملتني شدّة الحميّة له والامتعاض « 2 » لما حلّ به أن كتبت على حائط سجنه متمثّلا : [ الطويل ] فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه * ولا تسجنوا معروفه في القبائل ثم تفقدت الكتابة بعد أيام ، فوجدت تحت البيت : لذلك سجنّاه : [ الطويل ] ومن يجعل الضّرغام في الصّيد بازه * تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا « 3 » فما أدري من جاوب بذلك ، ثم عدت له ووجدته قد محي ، وأعلمت بذلك ابن عبّاد ، فقال : صدق المجاوب ، وأنا الجاني على نفسه ، والحافر بيده لرمسه ، ولمّا أردت وداعه أمر لي بإحسان على قدر ما استطاع ، فارتجلت : [ السريع ] آليت لا أقبل إحسانكم * والدّهر فيما قد عراكم مسي « 4 » ففي الذي أسلفتم غنية * وإن يكن عندكم قد نسي قال : وفيه أقول من قصيدة : [ السريع ] يا طالب الإنصاف من دهره * طلبت أمرا غير معتاد فلو يكون العدل في طبعه * لما عدا ملك ابن عبّاد [ من شعر الحجاري ] وللحجاري المذكور كتاب في البديع سماه « الحديقة » وأنشد لنفسه فيه « 5 » : [ السريع ] وشادن ينصف من نفسه * أمّنني من سطوة الدهر
--> ( 1 ) البيت لذي الرمة ، وهو : ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر ( 2 ) الامتعاض : الغضب والتوجع . ( 3 ) الضرغام : الأسد . والباز : من أنواع الصقور . ( 4 ) آليت : حلفت . ( 5 ) انظر المغرب ج 2 ص 34 .